محمد متولي الشعراوي
9014
تفسير الشعراوي
الصالح دليل على أنك احترمتَ أمر الآخر بالعمل ، ووثقتَ من حكمته ومن حُبِّه لك فارتاحتْ نفسك في ظلِّ طاعته ، فإذا بك إذا أويْتَ إلى فراشك تستعرض شريط أعمالك ، فلا تجد إلا خيراً تسعَدُ به نفسك ، وينشرح له صدرك ، ولا تتوجَّس شراً من أحد ، ولا تخاف عاقبة أمر لا تُحمَدُ عقباه ، فمَنِ الذي أنعم عليك بكل هذه النعم ووفَّقك لها ؟ ثم : { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً } [ الكهف : 110 ] وسبق أن قُلْنا : إن الجنة أحد ، فلا تشرك بعبادة الله شيئاً ، ولو كان هذا الشيء هو الجنة ، فعليك أنْ تسموَ بغاياتك ، لا إلى الجنة بل إلى لقاء ربها وخالقها والمنعِم بها عليك . وقد ضربنا لذلك مثلاً بالرجل الذي أعدَّ وليمة عظيمة فيها أطايب الطعام والشراب ، ودعا إليها أحبابه فلما دخلوا شغلهم الطعام إلا واحداً لم يهتم بالطعام والشراب ، وسأل عن صاحب الوليمة ليُسلِّم عليه ويأنس به . وما أصدق ما قالته رابعة العدوية : كُلُّهم يَعبدُونَ مِنْ خَوْفِ . . . نارٍ ويروْنَ النَّجاةَ حَظَّا جَزِيلاً أَوْ بأنْ يسكنُوا الجِنَان فيحظَوْاَ . . . بقصُورٍ ويشْرَبُوا سَلْسَبِيلا ليسَ لِي بالجنَانِ والنَّارِ حظُّ . . . أنَا لا ابتغِي بحُبِّي بَدِيلا وهذا يشرح لنا الحديث القدسي : « لوْ لَم أخلق جنة وناراً ، أما كنتُ أَهْلاً لأنْ أُعْبَد ؟ » . فلا ينبغي للعبد أن يكون نفعياً حتى في العبادة ، والحق سبحانه وتعالى أهْل بذاته لأن يُعبد ، لا خوفاً من ناره ، ولا طمعاً في جنته ، فاللهم ارزقنا هذه المنزلة ، واجعلنا برحمتك من أهلها .